نتف من الذاكرة – مطار بغداد – 22/8/1977

Author Photo

د. فاضل علي غائب

 رئيس قسم هندسة النفط والمناجم

جامعة تيشك الدولية – أربيل

 

يجلس في كافيتيريا صغيرة ومنعزلة وأنيقة في انتظار موعد الطائرة الذي تأخر ثلاث ساعات، وكالعادة دون إعطاء أي أسباب. شعاع الشمس الساطع يتسلل عبر النوافذ المطوية ستائرها ويغسل وجوه بعض الجالسين. عدد قليل من الناس يتحلقون حول مجموعة من الطاولات. ملتحٍ أجنبي مع شقراء أنيقة في أحد الأركان، تنفث دخان سيجارتها، ومجموعة من الشباب العراقيين يتوسطهم ضابط يثرثرون ويضحكون بصوت عالٍ، وهناك مجموعة أخرى في الجانب الآخر يتهامسون بهدوء يحتسون الجعة، وهو في جانبٍ احتلَّ لوحده إحدى الطاولات. موسيقى هادئة مرتخية تنطلق من أحد الأركان، تقاطعها بين الحين والآخر ضحكات وثرثرات. كان هو يستمتع بالجعة الباردة في انتظار موعد سماع منادي الرحلات. خادمة واحدة تدير المكان وتأتي بالطلبات جيئة وذهابًا بثبات ودقة متناهية. كانت امرأة أنيقة ذات نظرات ثاقبة وعيون واسعة حزينة، ربما في العقد الرابع من العمر، سمراء ذات وجه مدور وهادئ القسمات، تخالها تحمل همومًا رمتها جانبًا وتتحدى الحياة بقوة ضعفها وهدوئها.

مرت في رأسه التي داعبتها قنينتا الجعة أمور تعود إلى يومين فقط. والدته التي كانت تنظر إليه وهو يجهز حقيبته المتواضعة بعينين عسليتين صغيرتين دامعتين وتقول بصوت مرتجف: “هكذا إذًا يا ولدي سترحل ثانية؟” ولكن صوت أبيه كان أكثر ثباتًا وحسمًا، يقول له: “دعك من والدتك، فأنا أقول لك لا تخف يا ولدي، فنحن الاثنان سندعو لك في صلاتنا.” غادر المنزل برفقة أخيه الأصغر، وودعه عند محطة الحافلات التي ستنقله على مرحلتين إلى محطة القطار حيث سيكون صديقه الحميم في انتظاره ليكون آخر المودعين. كان صديقه هذا يلتصق به وهما يقضيان وقتهما جيئة وذهابًا على رصيف محطة قطار الموصل المنحدر باتجاه بغداد. كلما ابتعد عن صديقه قليلاً يعود ويلتصق به ويقول: “هذا كي لا تنساني أبدًا، فأنا سأفقد جزءًا من تاريخي برحيلك. سوف لن يبقَ بيننا غير رسائل ورقية صماء تحمل أفكارنا، ننقش حروفها بتأنٍ وسننتظرها بشغف لنروي لبعضنا أحداثًا كان من المفترض أن نعيشها ونحسها معًا.”

تعود الخادمة لأخذ القنينات الفارغة وتسأل إن كان يريد المزيد أو يريد أن يأكل شيئًا. قال لها: “يكفي ذلك، فقد ثقلت رأسي قليلاً، وأمامي رحلة.” فأومأت برأسها وقالت: “بالسلامة.” مضت بهدوء لتأتي بفاتورة الحساب، وباتت الكافيتيريا أكثر هدوءًا وبدأت شعاعات الشمس تميل عبر النوافذ وتستطيل الظلال في أنحاء المكان.

كانت مغادرته الأولى للبلاد قبل عام، حينها قال لصديقه: “سأهجر هذه البلاد التي تسمى وطنًا، ولن تراني ثانيةً”، تحت نظرة متألمة منه وكأنه يحس بفقدان شيء ثمين لا يُعوض. وعندما أصبح بعيدًا على شواطئ المتوسط، راح الحنين يغزو رأسه وتراجع عما كان يقوله وعاد لاستخدام كلمة “وطن” مرة أخرى بعد أن كان قد قرر إلغاء هذه الكلمة من مفرداته، فلم تكن تعني له شيئًا. في إحدى رسائله سأل صديقه عن السر وراء ذلك الحنين إلى وطن وخرائب لم يكن يعطيها أي أهميةٍ، فرد عليه بعبارة جميلة قائلاً: “أنت تريد العودة لتكمل رسم لوحةٍ لم تكن قد أكملتها… عدْ لنكملها معًا.” ربما كان السر أنه ارتحل من بلد إلى آخر لم يكن أفضل حالًا من بلده. كان في أحد رسائله كتب عنوانًا: “سلامًا يا وطني من ضفاف المتوسط”، وحالما عاد أخذ يبحث عن تلك الرسالة عند صديقه ليمزقها كما مزقت بلاده روحه، واكتشف أنه لا لوحة ليكمل رسمها بل أوهام متراكمة عبر السنين. الأوهام في بلادنا، ومن كثرة ما سمعناها وقرأناها، أصبحت في عقولنا مثل حقائق لا تقبل الجدل، لألا تدخل في خانة قد تؤذيك.

جاءت النادلة وناولته الحساب، في حين نطق منادي الرحلات عن قيام الرحلة، فراح يلمُّ أشياءه وشتات أفكاره ليحلق بها عاليًا في السماء فوق الغيوم، وينظر بحسرة وحزن إلى الأيام التي تبددت، وفي كل لحظة يتذكر واحدة من التفاصيل.

watch tower